كن في الدنيا حثيث الخطى شريف السماع كريم النظر .. كن رجلا إن أتوا بعده يقولوا مر وهذا الأثر

الثلاثاء، 5 يناير 2010

المقامات الرحمانية فى الآداب الإخوانية .. د. عبد الرحمن البر

الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُه

الحمدُ للهِ الذي استخلص لنفسهِ صفوةً من خلقِه فدَلَّهُمْ عليْه .. وخصَّهُمْ بالعلمِ والمعرفةِ بهِ فاستعمَلَهم بأحَبِّ الأعمالِ إليه.. وأقْرَبِها من الزُّلْفَى لديْه.. وبَلَّغُهْم من ذلك الغايةَ القُصْوَى.. والذُّرْوَةَ المتناهيةَ العُلْيا..والصلاةُ والسلامُ على مَنْ عنه بَلَّغَ وشَرَعْ ..وبِأَمْرِه قامَ بالحقِّ وصَدَعْ.. ولِمُتَّبِعِيهِ غرسَ وزَرَعْ .. سيدِنا محمدٍ زَيْنِ المؤمنين .. وعلى آله وصحبِه الطيبين الطاهرين .. ومَنْ دعا بدعوتِهِ إلى يوم الدين ..

وبعدُ فقد أتاني صديقي النَّبِيهُ قبل يوميْن .. فسَلَّمَ وحَيَّا وقال : هل بلغك ما جري بين أَخَوَيْنَا عُمَرَ وحُسَيْن ..

قلتُ : مَا بَلَغني عنهما شَيْن .. فَهُمَا أكثرُ من أَخَوَيْن .. بَلْ أحدُهما للآخرِ جِلْدَةٌ بين الأنفِ والعَيْن .. فما الذي جرى .. وهل هو خيرٌ ومعروفٌ أمْ كان أمراً منكرا ؟.

قال صديقي : قاتل اللهُ الوَسْوَاسَ الخنَّاس .. فقد أَوْقَع بينهما الغضبَ والشَّرَّ مِنْ غَيْرِ أن يكونَ له أساس .. هل تتصوَّرُ يا أَعَزَّ الناس .. أنهما جلسا يتضاحكان .. ولِعَذْبِ الحَديثِ والنِّكَاتِ يتبادلان .. ثم أنطق الشيطانُ حُسَيْناً بجملةٍ رديئَة .. فأجابه عمرُ عليها بأُخْرى مُسِيئَة.. وكلمةٌ مِنْ هذا وكلِمةٌ مِنْ ذاك خاليةٌ من اللِّياقَة .. وَمَا هي إلَّا لحظاتٌ حتى نَشِبَتْ بينهما الخِنَاقَة .. ونَسِي كلٌّ منهما حَقَّ الآخرِ عليه .. وأَفْلَتَت الكلماتُ واللَّكماتُ مِنْ لسانِه ويدَيْه .. وجميعُ الحضورِ صاروا في ذُهُول .. مما يفعلُ كلٌّ منهما ويقول .. ولوْلا أنني حضرتُ الواقِعَة .. مَا كنتُ لِأُصَدِّقَ هذهِ الفاجِعَة.. أَبَعْدَ كلِّ هذا الحبِّ والإِخاء.. يتصرَّفان تَصَرُّفَ الأَعْداءِ والبُعَداء.

قلتُ : يا أصدقَ الخِلَّان .. هذا كلُّه مِنْ جرائِرِ اللسان .. هو الموُردُ للمرءِ مواردَ العَطَب.. وهو الذي يُظْهِر الغَلَطَ وسوءَ الْأَدَب .. تخرجُ منه الكلماتُ بلا رَوِيَّة .. فتُفْسِدُ العَلاقاتِ الأُخَوِيَّة .. ولهذا أَمَرَنَا سيدُ البشرية صلى الله عليه وسلم .. ألَّا نقولَ به هُجْراً أوْ نُكْرا..وألَّا ننطقَ به إلَّا خيْرا ..فقالَ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالَّلهِ وَالْيَوْم ِالْآَخرِ ِحقَّ الإيمان.. فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَسْكُتْ ولْيحفظِ اللسان .

ومَنْ حَفظ يا أخي لسانَه.. أراحَ نفسَه وأَرْضَى إِخْوَانَه..وقَرَّبَ منه أصدقاءَه وأقاربَه وجيرانَه.. والصمتُ عمَّا لا يفيدُ وقِلَّةُ الكَلَام .. خيرٌ من الحديثِ الذي يقطعُ الصِّلَاتِ والأرحام .. والعاقِلُ يُبْصِرُ ما يقولُ ويتدَبَّر.. ولا يُطْلِقُ بالحديثِ لسانَه مِنْ غيرِ أنْ يتَفَكَّر

أَقْلِلْ كَلَامَكَ وَاسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهِ ... إِنَّ الْبَلاَءَ بِبَعْضِهُ مَقْرُونُ
وَاحْفَظْ لِسَانَكَ وَاحْتَفِظْ مِنْ غَيِّهِ ... حَتَّى يَكُونَ كَأَنَّهُ مَسْجُونُ
وَكِّلْ فُؤَادَكَ بِاللِّسَانِ، وَقُلْ لَهُ ... إِنَّ الْكَلَامَ عَلَيْكُمَا مَوْزُونُ
فَزِِنَاهُ وَلْيَكُ مُحْكَماً ذَا قِلَّةٍ ... إِنَّ الْبَلَاغَةَ فِي الْقَلِيلِ تَكُونُ


فمَنْ أطلَقَ لسانَه بالكلامِ فإنه لا شَكَّ هالِك .. ويرحمُ اللهُ إمامَ دارِ الهجرةِ سيِّدِنا الإِمامِ مالِك .. حيثُ قال كلاماً يُوزَن باليَوَاقِيتِ والدُّرّ .. : كُلُّ شَيْءٍ يُنْتَفَعُ بِفَضْلِهِ إِلَّا الْكَلَامَ فَإِنَّ فَضْلَه يَضُرّ..

وقال شيخُ الزاهدينَ الْفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ الإِمَام..: شَيْئَانِ يُقَسِّيَانِ الْقَلْبَ: كَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَكَثْرَةُ الْكَلَام..

قَدْ أَرَى كَثْرَةَ الْكَلَامِ قَبِيحاً ... كُلُّ قَوْلٍ يَشِينُهُ الْإِكْثَارُ

وهذا لقمانُ الحكيمُ يقول ..: الصَّمْتَُ حِكْمَةٌ وَفَاعِلُهُ قَلِيل..وَقَدْ جَاءَ فِي حِكَمِ آلِ دَاوُد ..أَيُّها الصَّدِيقُ الوَدُود .. : حَقٌّ على العاقلِ أنْ يكونَ عارفاً بزمانِه .. حافِظاً لِلِسَانِه .. مُقْبِلاً على شَأنِه .

قال صديقي : لكنَّ اللسانَ يا شيْخِي أداةٌ يظهرُ بها البيانُ والتفسير.. وشاهدٌ يُخْبِرُ عمَّا في الضمير.. وناطقٌ يُرَدُّ به الجواب.. وحاكمٌ يُفْصَلُ به الخطاب.. وواصِفٌ تُعْرَفُ به الأشياء.. فكيفَ إذاً يكونُ أصلَ البلاء ؟.

قلت : لا يزالُ الإنسانُ يا صاحبي مُهَاباً في الناسِ ما لمْ ينطِق .. فإذا تحدَّث كشَفَ حقيقتَه القولُ والمنطق ..ولذلك قِيل .. أيها الصديقُ النبيل .. العاقلُ يلزمُ الصمتَ إلى أنْ يلزمَهُ التَّكَلُّم.. حتَّى لا يُضْطَرَّ بعدَ الكلامِ إلى التَّنَدُّم .. فما أكثرَ مَنْ نطقَ فنَدِم .. وما أكثرَ مَنْ سكتَ فسَلِم.. وأطولُ النَّاسِ شقاءً.. وأعظمُهم بلاءً ..مَن ابْتُلِىَ بلسانٍ مُطْلَق.. وفُؤَادٍ مُطْبَق.. وللهِ دَرُّ الرجلِ المبارَك .. عبدِ الله بنِ المبارَك .. إذ قال:

تَعَاهَدْ لِسَانَكَ إِنَّ اللِّسَانَ ... سَرِيعٌ إِلَى الْمَرْءِ فِي قَتْلِهِ
وَهَذَا اللِّسَانُ بَرِيِدُ الْفُؤَادِ ... يَدُلُّ الرِّجَالَ عَلَى عَقْلِهِ
واسْمَعْ لهذه الحِكَمِ الكريمة .. والنصائحِ النافعةِ العظيمة ..
إِنْ كَانَ يُعْجِبُكَ السُّكُوتُ فَإِنَّهُ ... قَدْ كَانَ يُعْجِبُ قَبْلَكَ الْأَخْيَارَا
وَلَئِنْ نَدِمْتَ عَلَى سُكُوتٍ مَرَّةً ... فَلَقَدْ نَدِمْتََ عَلَى الْكَلَامِ مِرَارَا
إِنَّ السُّكُوتَ سَلَامَةٌ، وَلَرُبَّمَا ... زَرَعَ الْكَلَامُ عَدَاوَةً وَضِرَارَا
وَإِذَا تَقَرَّبَ خَاسِرٌ مِنْ خَاسِرٍ ... زَادَا بِذَاكَ خَسَارَةْ وَتَبَارَا


قال صاحبي : صدقتَ فيما ذكرْتَ للِّسانِ مِنْ آفات .. لكنه مع ذلك شافعٌ تُدْرَكُ به الحاجات.. ونازِعٌ يَجْذِبُ المَوَدَّات .. وحاصِدٌ تَذْهَبُ به الأضغان.. ومُسَلٍّ يُذَكِّى القلوبَ، ومُعَزٍّ تُرَدُّ به الأحزان.. واللهُ جلَّ وعزَّ رفعَ على سائرِ الجوارح جارحةَ اللسان .. فليس منها شيءٌ أعظمُ أجراً منه إذا أطاع الرحمن .

قلت : صدقْتَ أيها المحبوب ..وهو أيضاً أعظمُ الجوارحِ اكتساباً للذنوب .. ولَرُبَّمَا قَتَلَتْ كلمةٌ قائلَها أو كاتبَها .. إذا لم يَعْرِفْهَا ويَتَدَبَّرْ عواقبَها .. ورُبَّ كلمةٍ سَلبتْ نعمة ..ولَرُبَّ عبارةٍ أهلكَتْ أمة ..ولقد أحسنَ الذي يقول محرِّضاً على طول السكوت:

مَا زَلَّ ذُو صَمْتٍ، وَمَا مِنْ مُكْثِرٍ ... إِلَّا يَزِلُّ، وَمَا يُعَابُ صَمُوتُ
إِنْ كَانَ مَنْطِقُ نَاطِقٍ مِنْ فِضَّةٍ ... فَالصَّمْتُ دُرٌّ زَانَهُ الْيَاقُوتُ

وحذَّر الفاروقُ عمرُ من الخطأ الذي يحصل منه ..فقال للأحْنَفِ بن قيْسٍ رضي الله عنه.. : مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ فَقَلَّ حَيَاؤُهُ وَكَثُرَ ذَنْبُه.. وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، فمات قلبُه .

قال صديقي : فكيف يَمْنَعُ الإنسانُ من النطق اللسان.. وكيف يحبِسُ ما يجري على الخاطر من الحديث والبيان ؟.

قلت : قد جعل اللَّهُ لِكُلِّ شيءٍ بابيْن.. وجعل للِّسانِ أربعةً اثنيْن مِنْ بعدِ اثنيْن.. فجعلَ الشَّفَتَيْنِ مِصْرَاعَيْن.. وجعلَ الأسنانَ مِصْرَاعَيْن ..وقد قالت الحكماءُ أيها النبيه .. ليس بعاقلٍ مَنْ لَا يُنْصِفُ أُذُنَيْهِ مِنْ فِيه.. وقد جُعلت للإنسان أذنان اثنان.. ولم يُجْعَلْ له أيها العاقلُ غيرُ لسان.. فحَقُّه أنْ يكونَ له ثلثُ الكلامِ وللأُذُنَيْن الثلثان .. لأنه إذا قال ربما اضطُرَّ إلى الندامة.. وإنْ لم يَقُلْ فقدْ ضَمِنَ بصمتِه السلامة .. ورحم اللَّهُ ابنَ مسعودٍ فيما قال وأَبَان .. مَا شَيْءٌ أَحْوَجُ إِلَى طُولِ حَبْسٍ مِنْ لِسَان .


لَعَمْرُكَ مَا ََشْيٌء عَلِمْتُ مَكَانَهُ ... أَحَقُّ بِسِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ مُذَلَّلِ
عَلَى فِيكَ مِمَّا لَيْسَ يَعْنِيكَ شَأْنُهُ ... بِقُفْلٍ وَثِيقٍ مَا اسْتَطَعْتَ فَأَقْفِلِ
فَرُبَّ كَلَامٍ قَدْ جَرَى مِنْ مُمَازِحٍ ... فَسَاقَ إِلَيْهِ سَهْمَ حَتْفٍ مُعَجَّلِ
وَللَصَّمْتُ خَيْرٌ مِنْ كَلَامٍ بِمَأْثَمٍ ... فَكُنْ صَامِتاً تَسْلَمْ، وَإِنْ قُلْتَ فَاعْدِِِلِ


وَكَانَ شابٌّ يحضُرُ مجلسَ عمرَ بنِ الخطاب فيسمعُ ويتعَلَّم.. ثم ينصرفُ من غير أن ينطِقَ أوْ يتكلَّم.. ففطِنَ له عمر ، فقال: ما بالك تسمعُ وتتعَلَّم.. ثم تنصرف من قبل أن تتكَلَّم.. فقال: إني أحضرُ فَأَتَوَقَّى وَأَتَنَقَّى، وَأَصْمُتُ فَأَسْلَم .


أَنْتَ مِنَ الصَّمْتِ آمِنُ الزَّلَلِِ ... وَمِنْ كَثِيرِ الْكَلَامِ فِي وَجَلِِ
لَا تَقُلِ الْقَوْلَ ثُمَّ تُتْبِعُهُ ... يَا لَيْتَ مَا كُنْتُ قُلْتُ لَمْ أَقُلِ


وقد قِيل : لسانُ العاقلِ يكونُ وراءَ قلبِه.. فَإِذا أرادَ القَوْلَ رجعَ إلى قَلْبِه.. فإن كان له قال، وإلا أمسك اللسان.. والجاهلُ قلبُه في طَرَفِ اللسان.. ما أتى على لسانِه تكلَّم به من غير تَبَصُّرٍ ولا إِمْعان ..ومَنْ حفظ لسانَه يا صديقي زَانَه.. وما عَقَلَ دِينَه مَنْ لَمْ يحفظْ لسانَه.

قال صديقي رفع الله من شانِه .. قد علمتُ الآنَ لماذا قال الأَوْزَاعيُّ إمامُ أهل زمانِه .. مَا بُلِيَ أَحَدٌ فِي دِينِهِ بِبَلَاءٍ أَضَرَّ عَلَيْهِ مِنْ طَلَاقَةِ لِسَانِه.. ورحمة الله وبركاته على العالم المبارك .. عبد الله بن المبارك .. الذي قال ..


اغْتَنِمْ رَكْعَتَيْنِ زُلْفَى إِلَى اللهِ إِذَا كُنْتَ فَارِغاً مُسْتَرِيحَا
وَإِذَا هَمَمْتَ بِالنُّطْقِ فِي الْبَاطِلِ فَاجْعَلْ مَكَانَهُ تَسْبِيحَا
فَاغْتِنَامُ السُّكُوتِ أَفْضَلُ مِنْ خَوْضٍ وَإِنْ كُنْتَ بِالْحَدِيثِ فَصِيحَا


قلت : صدقتَ ومن هنا أُتِيَ الأَخَوَان .. عمرُ وحسيْنٌ واستزلَّهُما الشيطان .. فنطقا بالباطل والبُهْتان ..ولو أمسك كلٌّ منهما لسانَه .. وحمى من الكلامِ الفارغِ منطقَه وبيانَه .. ما كان الذي كان .. ولا وقعت بينهما الأضغان .. وكم أوردَ اللسانُ الأممَ الحروب .. وكم غيرتْ ثمراتُ اللسان القلوب .. ولسانُ المرء إذا صَلُحَ أو فَسَدَ أثَّر ذلك على سائر أحواله..و ما صلح منطقُ رجل إلا عُرف ذلك في سائر أعماله..

فَآثِرِ الصَّمْتَ مَا اسْتَطَعْتَ، فَقَدْ ... يُؤْثَرُ قَوْ ُالحَكِيمِ فِي الْكُتُبِ
لَوْ كَانَ بَعْضُ الْكَلَامِ مِنْ وَرِقٍ ... لَكَانَ جُلُّ السُّكُوتِ مِنْ ذَهَبِ

وفي أقرب لقاء .. أخبرك عن توجيه سيد الأنبياء .. وأصحابه الأصفياء الأتقياء .. عما يصلح اللسان .. ويريح القلب والجنان .

وفي الختام ..أبتهل إلى رب الأنام ..أن يجمع لنا ولإخواننا الكلمة ..وأن يحمينا من الفتنة والنقمة.. وأن يعيذنا من التفرق والبلاء..وأن يدفع عنا الإثم والشقاء .. والحمد أولا وآخرا لربي واسع العطاء .. ومسبغ النعماء .. وأزكى الصلاة وأتم السلام على إمام الأنبياء ..وعترته وآل بيته النجباء .. وأصحابه البررة الأتقياء .. ومن سلك سبيلهم ما بقيت الأرض والسماء ..

لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا

لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا

د.عبد الرحمن البر

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَن والاه.. وبعد؛ فقد قال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق بن يسار عَن بَعْض رجال بَنِي النجار أَن أبا أيوب خَالِد بْن زَيْد رضي الله عنه قَالَتْ لَهُ امرأته أمُّ أيوب: يا أبا أيوب، ألا تسمع مَا يَقُول النَّاس فِي عَائِشَة؟ قَالَ: بلى وَذَلِكَ الكذب، أكنتِ يا أمَّ أيوب فاعلة ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لا والله مَا كنت لأفعله، قَالَ: فعائشة والله خير منك (سيرة ابن هشام).

وعن بعض الأنصار: أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا، فقال لها: يا أم أيوب أكنت تفعلين ذاك؟ فقالت: لا والله. فقال: فعائشة والله خيرٌ منكِ وأطيب، فأنزل الله عز وجل ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12)﴾ (النور)، يعني قول أبي أيوب لأم أيوب، وكان أبو أيوب قال لها: إن الذين قالوا لها هو إفك (مسند إسحاق بن راهويه).

لما كانت نساء النبي صلى الله عليه وسلم هن أمهات المؤمنين فقد عرف الزوجان الكريمان أبو أيوب وأم أيوب رضي الله عنهما ما ينبغي أن يكون عليه يقين المؤمن نحو أمه، ونحو بيت النبوة الطاهر، وقد نُقل عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في معنى ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ قال: ظن المؤمنون أن المؤمن لا يفجر بأمه، وهذا الذي دلَّ الحديث على أنه كان يقينًا في نفس أبي أيوب وأم أيوب، والآية بذلك شاهدة على وصفهما رضي الله عنهما بالإيمان.

وقيل في تفسير الآية الكريمة: المعنى أنه كان ينبغي أن يقيس فضلاء المؤمنين والمؤمنات الأمر على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم فذلك في عائشة وصفوان رضي الله عنهما أبعد، وهذا النظر السديد هو الذي وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وهذا هو الذي عاتب الله تعالى عليه المؤمنين إذْ لم يفعله جميعهم، فقال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (13) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (14) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (15) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (16) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (17)﴾ (النور).

إن واجب المؤمن نفي شائعة الشر وقالة السوء عن المؤمنين، فقوله تعالى ﴿بِأَنفُسِهِم﴾ معناه بإخوانهم، فأوجب الله على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحدًا ويذكره بقبيحٍ لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه، مثلما فعل أبو أيوب وأم أيوب رضي الله عنهما، وتوعَّد سبحانه مَن ترك ذلك ومَن نقله.

وقد عدل سبحانه عن الخطاب ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ إلى الغيبة ﴿ظَنَّ المُؤْمِنُونَ﴾، وعن الضمير إلى الظاهر؛ ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات، وليصرح بلفظ الإيمان دلالةً على أن الاشتراك فيه مقتضٍ أن لا يصدِّقَ مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وتقديم الظرف وهو ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ على عامله وهو ﴿قُلْتُمْ﴾ للاهتمام بمدلول ذلك الظرف؛ تنبيهًا على أنه كان من واجبهم أن يطرق ظنُّ الخير قلوبهم بمجرد سماع الخبر، وأن يتبرءوا من الخوض فيه فور سماعه.

وفي هذا تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع قالةً في أخيه أن يبني الأمر فيها على الظنِّ الحسن لا على الشك، وأن يقول بملء فيه بناءً على ظنه بالمؤمن الخير: ﴿هذا إفك مبين﴾ هكذا بلفظ المصرح ببراءة ساحته، كما يقول المستيقن المطلع على حقيقة الحال، وهذا من الأدب الحسن الذي قلَّ القائم به والحافظ له، وليتك تجد مَن يسمع فيسكت ولا يشيع ما سمعه بإخوته وأخواته!.

حاجتنا إلى هذا الدرس:

ما أحوجنا أيها الإخوان إلى هذا الدرس التربوي العظيم، ونحن نواجه هذه العواصف الإعلامية الهوجاء التي أخذت على عاتقها تشويه كل جميلٍ في هذه الدعوة الكريمة، وتصوير الإخوة الدعاة الكرام المربين أصحاب التاريخ الناصع المشرف على أنهم مجموعة من المتنافسين على الدنيا والمدبرين للمكائد ضد بعضهم البعض، فيمارس كثيرٌ من هؤلاء الإعلاميين ما يُعرف بالإسقاط النفسي؛ حيث لا يرى في المؤسسات التي يتعامل معها إلا الكيد والتآمر وتدبير المقالب ومحاولة الصعود على أكتاف الآخرين، ومن ثم لا يتصور وجود مجموعة بشرية تترفع عن هذه الأساليب الدنيئة، فيحاول استغلال أية فرصة لتشويه الصادقين، ورميهم بما تنطوي عليه نفسه، ويسكن ضميره من أسباب الفساد، على حدِّ قول العرب (رمتني بدائها وانسلتِ)، أو على حدِّ قول العامة (يحاولون الاصطياد في الماء العكر)، بل كما قال لي أحد الإخوان بحق: إنهم يحاولون تعكير الماء ليصطادوا فيه.

نعم، إن بعضهم يفتري الأكاذيب من نسج خياله، ثم يأخذ في تقييم المواقف والأفراد بناءً على هذا الكذب، دون أن يجد حرجًا- ولو نفسيًّا- في اختراع مقالة السوء وترديدها

وعلى كل حال، فليس أمر هؤلاء هو الذي يهمنا، وإنما يهمنا أمر إخواننا وأحبتنا الذين يعرفون إخوانهم عن قرب، ويدركون الأخلاق التي تحكم حركتهم، والآداب التي يتحلون بها حتى وإن اختلف بعضهم مع بعض، ولهؤلاء الأحبة أقول:

ما من أحدٍ اختار السير في هذا الطريق إلا وهو يضع عينيه على الجنة، ويستهدف أن يكون محل رضوان الله، ويوقن أنه لا معنى لأن يكسب الإنسان كل شيء إذا كان ذلك في مقابل أن يخسر نفسه عند الله ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين﴾ (الزمر: من الآية 15)، وطلاب الآخرة لأجل هذا لا يعرفون غير سلامة الصدور لإخوانهم وغير التقدير لجهاد المجاهدين منهم، ولا يتصور أن يقع بينهم شيء من المكر أو الخداع.

العمل في هذه الجماعة هو عمل طوعي يتقرب به الأخ إلى الله تعالى، والمواقع الإدارية هي مجرد تنظيم للعمل، وكم من متأخرٍ في الترتيب الإداري أقرب وأحب إلى الله من متقدم، ولهذا لا تجد حرصًا من أحد على الاستئثار بشيءٍ من هذه المواقع، ولو كان الاعتذار عن شغل هذه المواقع مسموحًا به لرأى الناس عجبًا، إذ يود كل أخ لو أن إخوانه كفوه هذا العمل وأدوا عنه هذه الأمانة.. فهل في مثل هذه الأجواء يمكن القبول بالافتراءاتِ التي يرددها مَن لا يعرف طبيعة الإخوان المسلمين؟

حصول الخلافات في الرأي والتنوع في الرؤى- بل حتى وقوع الحزازات النفسية أحيانًا- هو سمة طبيعية في كل تجمع بشري، والتفاوت بين التجمعات المختلفة إنما هو في طريقة إدارة هذه الخلافات، ولا شيء أفضل من إدارتها عن طريق الشورى المشمولة بصدق الأخوة والمحبة، وهو ما يحرص عليه الإخوان دائمًا، ومع هذا فكثيرًا ما يبالغ الإعلام ويقدم هذا التنوع في صورة المعركة المحتدمة، بعيدًا عن الموضوعية والتجرد، والإخوان لا ينكرون حصول الاختلاف فيما بينهم على أي مستوى؛ ولكنهم يحرصون على إدارته بالأدب الإسلامي الراقي، وبالأسلوب الشرعي الشوري ما أمكنهم ذلك.

الإخوان يجتهدون في إصلاح بواطنهم وظواهرهم قدر المستطاع؛ لكنهم مع ذلك يدركون أنهم بشر خطاءون، ولا يحبون أن ينظر الناس إليهم على أنهم ملائكة لا يخطئون، بل يرون أنفسهم- كسائر الناس- عرضة للوقوع في الأخطاء، ولهذا لا يبررون الخطأ، ولا يجدون حرجًا من الاعتذار عن الخطأ، ويلتمسون للآخرين الأعذار، ويطلبون إليهم أن يعذروهم، وبخاصة فيما غابت حقائقه عنهم، وأن تكون القاعدة الحاكمة في تقييم بعض الوقائع التي لا تُعرف تفاصيلها الكاملة هي قاعدة حسن الظن والتماس العذر؛ وذلك هو أدب الإسلام العظيم.

الكلام كثير والشبهات التي تحتاج إلى توضيح أكثر من أن يحصرها مقال، لكني أسألك أيها الأخ الكريم ذات السؤال الذي سأله أبو أيوب لأم أيوب رضي الله عنهما، فأقول لك: لو كنت مكان إخوانك المفترى عليهم أكنت تفعل ذلك وتخسر دينك وأخلاقك ومروءتك وتضيع جهادك وتحبط عملك؟!

فواصل قصيرة:

- أستاذي الدكتور محمد حبيب، لا أجد الكلمات التي يمكن أن أعبِّر بها عن هذا الجبل الأشم، وأصف بها هذه القمة السامقة والشجرة الباسقة التي تفيأنا ولا نزال نتفيأ ظلالها، وتناولنا ولا نزال نتناول ثمارها المباركة، ولا تزال قلوبنا تهفو إلى العبقريات التربوية التي تطل علينا أسبوعيًّا مبدوءة بهذا النداء الرقراق: "أخي الحبيب".

- أستاذنا الكريم المفضال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، هذه المدرسة الإسلامية العربية الوطنية المفتوحة، والقيمة الفكرية والثقافية الرائعة: كنت- كعادتك- رائعًا في ندوة (الجزيرة) التي تناولت مستقبل الإخوان المسلمين، وقدمت- كعادتك- نموذجًا رائعًا لصاحب الرسالة الذي لا يغيب عنها ولا تغيب عنه أبدًا، ولا نزال في انتظار عطاءاتك التربوية والفكرية التي أثق أنها غير محدودة، وأكرر ما قلته لك عقب الندوة: أدام الله عليك نعمة التوفيق.

الاثنين، 4 يناير 2010

من دروس الدعوة الأولى

ملاحظة المنة

بسم الله الرحمن الرحيم , الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وبعد ..

يقول الله عز وجل : " وما بكم من نعمة فمن الله " النحل 53

هذه الآية الجامعة التي ترد كل نعمة حاصلة للعبد إلى أصلها وإلى المُنعم بها سبحانه وبحمده نجد أنها تخاطب أول من تخاطب نحن معشر الدعاة السائرون إلى الله , لأنه في الحقيقة ما وُفِّق أحد من خلق الله لنعمة إلا كانت دونما وفقنا له من نعمة الهداية , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله ليعطي الدنيا من أحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين، فقد أحبه)

صحيح رواه الحاكم

يقول أحد الصالحين : إن الله إذا فتح لك بابا ووجههة لتعرفه منها فاعلم أن ذلك من الله اعتناء ولك إجتباء , فكيف بمن فتح الله له وجهة لمعرفته وسبيلا لخدمته وحمل رايته والعمل في دعوته بل والموت في سبيله ..

هي نعمة كبرى نحمد الله أن جعلنا لها أهلا وأكرمنا بأن نكون جنودا لدعوته , وهو في الحقيقة يلزمنا أن نجعل أول خطوات السير إلى الله وأول الإشارات التربوية للعاملين للإسلام خطوة شعارها : ملاحظة المنة

والحقيقة هذا الدرس - درس التذكير بالنعمة والحث المستمر على ملاحظتها - أحد النداءات والأساليب التربوية في كتاب الله عز وجل ..

في سورة الأعراف يقول الله عز وجل على لسان هود عليه السلام وهو يخاطب قومه مربيا ومعلما :

" أوعجبتم أن جائكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون "

ويقول الله عز وجل على لسان صالح عليه السلام وهو يخاطب قومه :

" واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين "

وفي بداية السورة وفي معرض الحديث عن المؤمنين نجد هذا الوصف الفريد .. يقول الله عز وجل :

" ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتها الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون "

فهو الإعتراف التام أنه لولا الله ما كانت الهداية ولا سرنا في ركب المهتدين ..

وهو النهج الذي اتبعه القرآن وهو يخاطبنا نحن أمة محمد (ص ) ...

قال تعالى : " وءاتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها " إبراهيم

وقال تعالى : " وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة " لقمان

وقال تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً "

وجعلها الله محل ثناءه على من اكتمل تربيته وتمت هدايته فأثنى على خليله إبراهيم بشكره لنعمه .. قال تعالى " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " النحل

ولعل أحد المحاور الهامة في سورة الحجرات محور " ملاحظة المنة " فقد تضمنته في موضعين :

الأول .. يقول الله عز وجل " واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون . فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم " هو الله الذي منّ وتفضل وتكرم علينا بهذا العطاء

الثاني .. يقول الله عز وجل " يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين "

فالمن لله ورسوله فلولا الله ما اهتدينا ولا لدين الله عملنا ..

وأمام هذا الفضل الكبير من الله سبحانه وتعالى أن جعلنا من أصحاب الرسالة ومن السائرون إلى الله لابد لنا من ثلاث مواقف ..

الموقف الأول : إظهار هذه النعمة والاستبشار بها وأن نقابلها بما يليق أن تقابل نعم الله به ..

يقول الله عز وجل " يا أيها الناس قد جائتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون " يونس

يقول ابن القيم " شكرك لله هو أن يجد أثر نعمتة على لسانك ثناءً واعترافًا و على قلبك شهودًا ومحبةً، وعلى جوارحك انقيادًا و طاعة وعلى وجهك فرحا ورضا "

الموقف الثاني: القيام بحق هذه النعمة وهو شكرالله عليها عملا ..

ولابن القيم تقسيم لنعم الله جيد ضمنه كتابه الفوائد يقول :

[ النعمة ثلاثة :

نعمة حاصلة يعلم بها العبد

ونعمة منتظرة يرجوها

ونعمة هو فيها لا يشعر بها

فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده , أعطاه الله من الشكر ما يثبت له به النعمة الحاصلة ووفقه لعمل يستجلب به النعمة المنتظرة وإذا بها قد وافته على أتم الوجوه , وعرفه النعمة التي هو فيها لا يشعر بها حتى يشكرها ]

ويقول في معنى قوله تعالى : " وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله أعلم بالشاكرين " الأنعام

يقول ابن القيم : [هم الذين عرفوا قدر النعمة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على المنعم بها وأحبوه وقاموا بشكره]

ولو أردنا أن نرى نموذجا لشكر نعم الله عملا فعلينا برسول الله (ص) الذي كان يقابل العدو بنفسه وحين البأس لا يكون أحد أقرب إلى العدو منه ويقوم الليل حتى تتورم قدماه وعندما يسأل عن سر ذلك وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول : " أفلا أكون عبدا شكورا "

ونموذج آل داود عليهم وعلى نبينا السلام

في سورة النمل يحكي القرآن موقف نبي الله سليمان مع نملة وعظت قومها حرصا عليهم ورغبة في صلاحهم , فهم قولها سليمان فقال وقد تذكر نعمة الله عليه " فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين "

وفي سورة سبأ يقول الله عز وجل وهو يعدد نعمته على آل داود " ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد . أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير . ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير . يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور "

يقول ابن كثير [ وكان شكر داود أن قسم اليوم بينه وبين أهله فلا تمر ساعة من ليل أو نهار إلا ورجل من آل داود قائم لله يصلي ]

ويقول النبي (ص) " خير الصلاة صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وخير الصيام صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما وكان لا يفر إذا لاقى "

الموقف الثالث : حراسة النعمة ..

نعم هكذا بهذه الحروف وبهذا الوصف " حراسة النعمة " أن تزول وتحول إلى غيرنا إذا لم نقم بحفظها وشكرها عملا , إذا لم تصبح ما نتغنى به فرحا في خلواتنا مع الله ..

هو شعور الذي " عنده علم من الكتاب " في قصة سليمان وقد شعر بعظيم فضل الله عليه وقد يكون من كلام " نبي الله سليمان " وقد حققت أمنيته على أفضل ما أراد فقال : " فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني ءَأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم "

وهي خاتمة سورة محمد ومتممة دروسه التربوية الرائعة يقول اللع عز وجل : " ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم "

وفي الحديث الذي يرويه الطبراني : " إن لله تعالي اقواما يختصهم بالنعم لمنافع العباد ويقرها فيهم ما بذلوها فاذا منعوها نزعها منهم فحولها الي غيرهم "

وهو وصية رسول الله لأمنا عائشة رضي الله عنها " يا عائشة أحسني جوار نعم الله عليك فإنها قل إن نفرت عن قوم فكادت ترجع إليهم " وفي رواية : " يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإنها قلما انكشفت عن أهل بيت فكانت تعود فيهم "

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: [ ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها قبل أن يحمده عليها ، وما أذنب عبد ذنباً فندم عليه إلا كتب الله له مغفرة قبل أن يستغفره، وما اشترى عبد ثوبا بدينار أو نصف دينار فلبسه فحمد الله عليه إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له ]

وفي الحديث مسلم " إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها "

وكان حذيفة بن اليمان يقول : [ ما عظمت نعمة الله على أحد إلا زاد حق الله عظما ]

وقال جعفر بن محمد : [ ما أنعم الله على عبد نعمة فعرفها بقلبه وشكرها بلسانه فيبرح حتى يزداد ]

وكان نداء الفضيل بن عياض دائما [ عليكم بملازمة الشكر على النعم، فقلّ نعمة زالت عن قوم فعادت إليهم ]

اللهم إنا نسألك بكل نعمة أنعمت علينا أن ترزقنا شكر نعمك عملا والعمل بنعمك شكرا اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين الله أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك .. اللهم آمين , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم

الأحد، 3 يناير 2010

مفهوم الأمن القومي .. من موقع أمل الأمة ( الحلقة الأولى )

مفهوم الأمن القومي

على الرغم من الأهمية القصوى لمفهوم الأمن وشيوع استخدامه، إلا أنه مفهوم حديث في العلوم السياسية.. فقد ظهر مصطلح الأمن القومي National Security كنتيجة لقيام الدولة القومية في أوروبا القرن السادس عشر، وتلته مصطلحات أخرى مثل المصلحة القومية والإرادة الوطنية. ويعود الاستخدام الحديث لمصطلح الأمن إلى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث ظهر تيار يبحث في كيفية تحقيق الأمن وتلافي الحرب, وهو ما تبلور في إنشاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ومنذ إنشاء مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1974 استخدم مفهوم الأمن بمستوياته المختلفة طبقا لطبيعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية.

والأمن من وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية يعني "حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية"، ومن وجهة نظر هنري كيسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق يعني "أي تصرفات يسعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء"، ومن وجهة نظر روبرت مكنمارا وزير الدفاع الأمريكي الأسبق.. "إن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة.. إن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها، ومواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات سواء في الحاضر أو المستقبل".

وأول تعريف حديث للأمن القومي تمثل في "قدرة الدولة على حماية أراضيها وقيمها الأساسية والجوهرية من التهديدات الخارجية"، وبخاصة العسكرية منها بغرض تأمين أراضي الدولة ضد العدوان الاجنبي وحماية مواطنيها ضد محاولات إيقاع الضرر بهم وبممتلكاتهم ومعتقداتهم وقيمهم.

ومع تطور مفهوم قدرة الدولة، اتسع مفهوم الأمن القومي إلى "القدرة الشاملة للدولة على حماية قيمها ومصالحها من التهديدات الخارجية Threats والتحديات الداخلية Challenges"، وغالبا ما توجه هذه التهديدات إلى الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعتقدات، ومن بينها صور الصراع المسلح والانقلابات العسكرية ومخططات تغيير نظام الحكم وأعمال الجاسوسية والتخريب المادي والمعنوي وأعمال الارهاب والنشاط المناهض والضغوط والمقاطعة الاقتصادية والحرب النفسية والإعلام الموجه المعادي.

وبلاشك فإن مسألة الأمن القومي أصبحت مسألة نسبية في عصر أصبحت فيه وسائل التدمير الشامل قادرة على الوصول إلى أي مكان في العالم، ومن ثم لا يوجد ما يعرف بالأمن القومي المطلق.. فالأمن القومي الآن هو مزيج من القدرة الشاملة للدولة والقوة المؤثرة لها وحسن الجوار والعلاقات الدولية المبنية على التحالف والتكامل والتعاون.

ومفهوم الأمن ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى.. "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ"، فالأمن ضد الخوف، الذي يعني بالمفهوم الحديث التهديد الشامل، سواء منه الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي، الداخلي منه والخارجي.

وفي إطار هذه الحقيقة يكون المفهوم الشامل للأمن من وجهة نظر د. زكريا حسين أستاذ الدراسات الإستراتيجية والمدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية يتمثل في.. "القدرة التي تتمكن بها الدولة من تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية، الاقتصادية والعسكرية، في شتى المجالات في مواجهة المصادر التي تتهددها في الداخل والخارج، في السلم وفي الحرب، مع استمرار الانطلاق المؤمن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطا للأهداف المخططة".

وللأمن أربع مستويات..

1- أمن الفرد ضد أية أخطار تهدد حياته أو ممتلكاته أو أسرته.

2- الأمن الوطني، ضد أية أخطار خارجية أو داخلية للدولة وهو ما يعبر عنه "بالأمن القومي".

3- الأمن الإقليمي، باتفاق عدة دول في إطار إقليم واحد على التخطيط لمواجهة التهديدات التي تواجهها، ويعبر عنه أيضا "بالأمن القومي".

4- الأمن الدولي أو العالمي.. وتتولاه المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن للحفاظ على الأمن والسلم الدوليين.

وقد مر مفهوم الأمن بمرحلتين هامتين نتيجة التطورات العالمية..

في المرحلة الأولي كان ينظر اليه بالنظرة الاستراتيجية الضيقة وهي..‏ صد هجوم عسكري معاد وحماية الحدود من الغزوات الخارجية وتحقيق والمحافظة على الاستقلال الوطني.‏

وفي المرحلة الثانية صار على الدولة أن تؤمن مواطنيها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ضد أخطار متعددة فرضتها طبيعة الانفتاح الواسع على العصر الحديث‏.

وفي ظل انتهاء عصر العزلة، وذيوع فكر العولمة.. تراجعت سيادة الدولة وتناقصت استقلالية القرار الوطني‏ لصالح قوي إقليمية أو‏ دولية، فهناك قرارات أصبحت تصدر بالمشاركة بين السلطة الوطنية وبين غيرها من السلطات الخارجية مثل المنظمات الدولية،‏ ولم تعد القرارات الاقتصادية حكرا للمسئولين في الدولة وإنما أصبحت مشاعا‏، بالإضافة إلى تأثرها بالمؤسسات الخارجية كالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرهما‏..‏ مما يعد انتقاصا من السيادة ومن الأمن القومي. وهكذا أصبحت مساحة التدخل الأجنبي في كثير من شئون الدولة ـ في ظل العولمة ـ أكبر من أي عصر مضي، واتخذت صورا متغيرة، كما سمحت بأدوار متعددة لبعض التيارات الاجتماعية والأفكار الجديدة ومنظمات المجتمع المدني المختلفة‏. كما أن ظاهرة العنف والارهاب التي برزت خلال العقدين الأخيرين أدت إلى تغيير مفاهيم الأمن القومي للدول‏,‏ فأصبح الأمن بالنسبة للولايات المتحدة مثلا يمتد إلى كل بقعة في العالم.