كن في الدنيا حثيث الخطى شريف السماع كريم النظر .. كن رجلا إن أتوا بعده يقولوا مر وهذا الأثر

الخميس، 3 ديسمبر 2009

الشورى ممارسة إيمانية .. الجزء الثاني

الشورى نظاماً

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ممد وعلى آله وصحبه وسلم ..

وبعد .. فقد تناولنا البعد الأول من موضوع الشورى ممارسة إيمانية وهنا نتطرق إلى بعد ثاني في ممارسة الشورى تحت عنوان الشورى نظاما ..

أولا .. مفاهيم أساسية ..

1 . تعريف الشورى

2 . حكم الشورى في الإسلام ..

3 . الشورى في فكر الإمام البنا ..

4 . الشورى والديموقراطية ..

تعريف الشورى ..

شار العسل : صفاه ونقاه

وشرت الدابة : إذا جربتها لتعرف قوتها ..

الشورىالإستشارة – المشورة

الشورى : تداول وتقليب الآراء بين مجموعة معينة حول موضوع معين من خلال جهد بشري ملتزم بمنهج الله للوصول إلى رأي معين يتم الإجتماع عليه أو يحوز رأي الأغلبية ويصبح ملزما للجميع ..

الإستشارة : طلب الإستنارة من أصحاب الخبرة والعلم للإسترشاد بها وليست بالتالي ملزمة في حق من يطلبها .

المشورة : وهي بمعنى النصيحة يتطوع بها الفرد دون سؤال أو طلب وقد تكون من الجندي إلى القائد مثل مشورة الحباب بن المنذر في غزوة بدر أو من القائد إلى الجندي عندما يكلفه بأمر ما ويقدم له المشورة بما يعينه على تحسين الأداء ..

حكم الشورى في الإسلام ..

هناك خلاف بين العلماء في حكم الشورى وهل هي ملزمة لولي الأمر أم معلمة بمعنى أنه يجوز لولي الأمر ألا يأخذ بها , ولكن الأقرب إلى الصواب أنها ملزمة ..

بل أن بعضهم أنكر كون الشورى معلمة أصلا يقول الشيخ الغزالي : القول بأن الشورى لا تلزم أحدا كلام باطل ولا أدري من أين جاء ولعل ذلك كان فلسفة لواقع معين وتسويغ للإستبداد السياسي من فقهاء السلطة ..

ولعل ما يوافق ذلك قول النبي (ص) : لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : ” لو إتفقنما في أمر ما خالفتكما .. ”

ومجمل ممارسات النبي(ص) تقرر ذلك بلا لبس وفي شورى غزوة أحد دليل لما أقول حيث نزل النبي الكريم على رأي الأغلبية ورفض أن يعدوه إلى غيره ولو إلى رأيه هو وقال كلمته الشهيرة : ” ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يخلعها حتى يفصل الله بينه وبين عدوه .. ”

وممن قال بالشورى الملزمة :

1 .الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر في كتابه من توجيهات الإسلام

2 . الدكتور يوسف القرضاوي

3 . الأستاذ سعيد حوى

4 . الشهيد عبد القادر عودة

5 . الشهيد سيد قطب

6 . د. مصطفى السباعي

الشورى في فكر الإمام البنا ..

كان الإمام البنا في أول حياته متحمسا للشورى المعلمة وكان يحمل إخوانه بالحوار على الأخذ بها ولكنه في أيامه الأخيرة إنتهى إلى الأخذ بالشورى الملزمة وترك لنا قانوت الجماعة الذي صاغته لجنة مؤلفة من ( أ. عبد الحكيم عابدين , أ. طاهر الخشاب , أ. صالح عشماوي , وعلى رأس اللجنة الأستاذ البنا ) وتم إقراره عام 1948م .

وينص على " الأخذ والإلتزام برأي الأكثرية وإذا ما تعادلت الأصوات فإن الرئيس يكون مرجحا " .

وكأننا بالإمام البنا رحمه الله قد أخذ بالشورى المعلمة عندما كان تلامذته ناشئين وبعد أن بلغوا مرحلة متقدمة في الوعي والفهم إنتهى إلى الأخذ بالشورى الملزمة .

الخلاصة ..

الشورى أحد الثوابت العشرة للإخوان المسلمين وإختيار الجماعة الفقهي أنها ملزمة في كل الحالات .. أي يلتزم الجميع بما افرزته الشورى من قرارات سواء كان ذلك على مستوى الشعبة أو ورد من المستوى الأعلى ..

وإذا كان لفرد ملاحظة فليرفعها بالطريق المعتاد دون أن يحزب أحدا حول رأيه مهما تكون الظروف ..

الشورى والديموقراطية ..

الديموقراطية : نظام سياسي إجتماعي غربي النشأة عرفته الحضارة الغربية في حقبتها اليونانية القديمة وطورته نهضتها الحديثة والمعاصرة .. وهي تستند إلى المبدأ القائل بأن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر التشريع فالسلطة في النظام الديموقراطي هي للشعب بواسطة الشعب لتحقيق سيادة الشعب ومقاصده ومصالحه ..

ومن ثم كان النظام النيابي الذي يقوم به نواب الأمة المنتخبون عن جمهور الأمة بمهام سلطات التشريع والرقابة والمحاسبة لجهات الدولة التنفيذية هو التطوير الذي لحق الديموقراطية المباشرة الذي تمارس الأمة كلها وبشكل مباشر هذه المهام حين تعذر تطبيق ذلك ..

وجه الإتفاق بين الشورى والديموقراطية ..

الشورى تتفق مع الديموقراطية من حيث الآليات والمؤسسات والخبرات في أنها كلها تجارب إنسانية قابلة للتطور وفق الزمان والمكان والملابسات فليس هناك آليات مقدسة .

يقول الشهيد سيد قطب :

" ... أما الشكل الذي تتم به الشورى ليس مصبوبا في قالب حديدي فهو متروك للصورة الملائمة لكل زمان ومكان لتحقيق هذا الطابع في حياة الجماعة الإسلامية .. والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالا جامدة وليست نصوصا حرفية إنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن إستقرار حقيقة الإيمان في القلب وتكيف الشعور والسلوك بهذه الحقيقة .. ومتى وجد المسلمون حقا ووجد الإيمان في قلوبهم بحقيقته نشأ النظام الإسلامي نشأة ذاتية وقامت صورة منه تناسب هؤلاء المسلمين وبيئتهم وأحوالهم كلها وتحقق المبادئ الكلية للإسلام خير تحقيق .. "

وجه الإختلاف بين الشورى والديموقراطية ..

1 . في أصل الممارسة فالشورة تكليف رباني ممارسته نؤجر عليها ..

2 . في مصدر التشريع حيث يكون :

3 . في الديموقراطية حق من حقوق الأفراد

4 . أما في الشورى فهو حق ثابت لله سبحانه وتعالى فيما نص فيه من قرآن أو سنة ثم يكون دور الإنسان التشريعي فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوها عدة وفي المصالح المرسلة شريطة أن يكون ملتزما بمنهج الله محكوما بفلسفة الإسلام في التشريع

ثانيا .. حول آليات الشورى

1 . في أي شي تجرى الشورى

2 . مجالات الشورى

3 . كيفية إجراء الشورى

4 . شروط يجب توافرها في من يمارس الشورى

5 . أحذر من هذه العشرة ..

في أي شي تجرى الشورى

وتكون الشورى في الأمور كلها في أمور الدنيا والدين التي لا نص فيها من كتاب الله ولا صحيح سنة النبي (ص) ونتيجتها دائما محكومة بمنهج الله فلا ينفذ قرار ولو إجتمع عليه الأغلبية إذا كان مخالفا لمنهج الله ..

ومن أمثلة ذلك : زنت إمرأة فارسية محصنة على عهد عمر ابن الخطاب فعقد مجلسا للشورى فكان رأي الأغلبية أن ترجم وقال عثمان رضي الله عنه : أنها لا ترجم إستنادا إلى قاعدة في الشريعة أنه لا عقوبة على من جهل الحد وأنها لا تعلم التحريم فتعزر ولا ترجم فنزلوا على رأيه فكان الحكم الشرعي ضابطا للشورى إلتزاما بها ..

مجالات الشورى

مجالات الشورى كثيرة ولابد من أن تمتد الشورى لتغطي في الحقيقة كل مجالات الحياة ومن مجالات الشورى :

1 . لقاء الأسرة .. من حيث : موعد إجتماعها نشاطها فيما يوكل إليها من أعمال ... )

2 . الأنشطة التربوية ( الرحلة المخيم الكتيبة ... )

4 . في حل بعض المشكلات التي من إختصاص هذه الجهة ( أسرة مجلس شعبة لجنة فنية ... )

5 . عند طرح موضوع معين للشورى على جهة معينة ..

6 . داخل البيت المسلم مع الزوجة والأبناء

7 . في الولاية العامة

كيفية إجراء الشورى ..

1 . تحديد مظان الشورى وعلى أي مستوى تؤخذ ..

بقول أ. رضا النحوي في كتاب ملامح الشورى : قد تمتد الشورى لتشمل الأمة كلها أو معظمها وتضيق حتى تشمل أفرادا ويحدد ذلك عدة أمور : الواقع البشري – القضية المطروحة – ظروف الأمة المؤمنة وحالتها الطارئة – الطاقة البشرية المتخصصة والمؤسسات الإيمانية المتخصصة – التنظيم الأداري ومستويات المسؤلية والأمانة ..

2 . تحديد الأمر المراد أخذ الشورى عليه من خلال وضوح رؤية عند جميع أفراد الشورى ولا يجوز حجب أي معلومات أثناء أخذ الشورى ..

3 . عرض الآراء والحلول والإتجاهات المقترحة بحيادية وبدون إستخدام أسلوب يدل على الميل نحو رأي بعينه فلا يجوز توجيه الشورى .. ومن ذلك قول عمر بن الخطاب لمجلس شورته حين إجتمع بهم لبحث أمر أرض الشام والعراق : " إني لم أزعجكم إلا لأشرككم في أمانتي وفيما حملت من أموركم فإني واحد كأحدكم وأنتم اليوم تقرون الحق خالفني من خالفني ووافقني من وافقني ولا أريدكم أن تتبعوا رأيي , معكم من الله كتاب ينطق بالحق فوالله لئن كنت نطقت أمرا أريده ما أريده به إلا الحق .. "

4 . التصويت بعد الإطمئنان إلا أن كل فرد من أفراد الشورى عرض فكرته وأوضحها بالشكل الذي يجعله مطمأنا إلى قرار الشورى أيا كان وإن خالف رأيه ..

5 . كتابة الرأي الذي حاز الأغلبية وإن تساوى الأفراد فرأي المسؤل يكون مرجحا وقرائته على الأفراد ومراجعته لفظا ومعنى ويكون هو رأي الجميع بعد ذلك

شروط يجب توافرها في من يمارس الشورى

1 إيمان صادق ( الشورى ممارسة إيمانية جاءت مرتبطة بالصلاة والإستجابة لله )

2 . علم بمنهج الله

3 . علم بالموضوع الذي تدور حوله الشورى

4 . وضوح رؤية حول الشورى ( الهدف منهاآلياتهاشروطهامظانهاآدابها ... )

أحذر من هذه العشرة ..

1 . حجب أي معلومة أثناء أخذ الشورى

2 . تزيين رأي معين لبعض الأفراد قبل أخذ الشورى بما يمنعهم من التدبر المنصف في الآراء الأخرى

3 . تسفيه رأي المخالف مهما كان هذا الرأي

4 . التربيط على الرأي بما يؤثر على إتخاذ القرار بعد ذلك

5 .عدم إعطاء الفرصة الكاملة والمتكافئة لإبداء الآراء

6 . عدم تدريب الأفراد على الممارسة الصحيحة للشورى

7 . إبداء المسؤل رأيه قبل الآخرين تصريحا أو تلميحا

8 . التوقيت غير المناسب للشورى حول أمر ما بحجة ضيق الوقت

9 . أخذ الشورى في أمر أو قرار وارد من المستوى الأعلى ( ينفذ / أو لا ينفذ) وليس في كيفية التنفيذ

10 . عدم الإلتزام بما تقرره الشورى من قرارات أو آراء بحجة أن هذه الآراء لا تخدم الدعوة وأنه صاحب خبرة وتجربة أو أنه لم يؤخذ رأيه في هذا الأمر ...

ويبقى الجزء الأخير من موضوع الشورى ممارسة إيمانية وهو آداب ممارسة الشورى

د.محمد النعناعي

الثلاثاء، 1 ديسمبر 2009

الحماية الربانية .. الجزء الثالث

جنود الحماية الربانية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وبعد ..

نعم .. " الله في غنىً عن خلقه " , حقيقة تعلمناها في دروس العقيدة والتي اقتضت بدورها أن يجعل الله لقدرته ستارا تظهر في إطاره أو ينفذها سبحانه على أي وجه أراد , لذلك كنا نحفظ من أساتذتنا وهم يعلموننا طرق العمل لله عز وجل أننا ستار للقدرة ونأخذ الأجرة

وفي إستعراضنا لحقيقة الحماية الربانية واستطرادنا في آثارها وطرائق استجلابها فإننا بلا شك نتناول نصف المراد الحقيقي من هذا المعنى وهنا في هذه السطور نستعرض النصف الباقي ولنعتبره " دعوة " لنكون ستاراً لهذه الحماية الربانية أو إن شئت قلت جنود الحماية الربانية للدعوة ..

في غزوة الخندق والقرآن عندما وصف هذه الغزوة وصف مشهدا مهيبا يقول عز وجل : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً .إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً " .. يقول صاحب الضلال : ( إنها صورة الهول الذي روع المدينة , والكرب الذي شملها , والذي لم ينج منه أحد من أهلها وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب من أعلاها ومن أسفلها فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب ; وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب , وظنها بالله , وسلوكها في الشدة , وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج ..

قال محمد بن مسلمة وغيره: كان ليلنا بالخندق نهارا ; وكان المشركون يتناوبون بينهم , فيغدو أبو سفيان ابن حرب في اصحابه يوما , ويغدو خالد بن الوليد يوما , ويغدو عمرو بن العاص يوما , ويغدو هبيرة ابن أبي وهب يوما , ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوما ويغدو ضرار بن الخطاب يوما . حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفا شديدا ..

ويصور حال المسلمين ما رواه المقريزي في إمتاع الأسماع قال : ثم وافى المشركون سحرا , وعبأ رسول الله [ ص ] أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هوي من الليل , وما يقدر رسول الله [ ص ] ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم وما قدر رسول الله [ ص ] على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء " فجعل أصحابه يقولون : يا رسول الله ما صلينا ! فيقول ولا أنا والله ما صليت ! حتى كشف الله المشركين , ورجع كل من الفريقين إلى منزله ..

وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا فالتقتا - ولا يشعر بعضهم ببعض , ولا يظنون إلا أنهم العدو . فكانت بينهم جراحة وقتل ثم نادوا بشعار الإسلام ! " حم . لا ينصرون " فكف بعضهم عن بعض فقال رسول الله [ ص ]:" جراحكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد " ..

ولقد كان أشد الكرب على المسلمين , وهم محصورون بالمشركين داخل الخندق , ذلك الذي كان يجيئهم من انتقاض بني قريظة عليهم من خلفهم . فلم يكونوا يأمنون في أية لحظة أن ينقض عليهم المشركون من الخندق , وأن تميل عليهم يهود , وهم قلة بين هذه الجموع , التي جاءت بنية استئصالهم في معركة حاسمة أخيرة .. الظلال بتصرف )

في هذا الكرب وهذه الشدة ما كان نعيم بن مسعود بن عامر [ من غطفان ] إلا جنديا من جنود الحماية الربانية أتى رسول الله ( ص ) فقال : يا رسول الله إني قد أسلمت , وإن قومي لم يعلموا بإسلامي , فمرني بما شئت فقال رسول الله ( ص ): " إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت , فإن الحرب خدعة " .

وقد فعل حتى أفقد الأحزاب الثقة بينهم وبين بني قريظة في تفصيل مطول تحدثت عنه روايات السيرة وخذل الله بينهم وبعث الله عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح خيامهم وما يتخذونه للطبخ من مواقد .. وتم قدر الله وما قضاه لهذه الفئة المؤمنة والسؤال من دعا نعيم بن مسعود إلى الإسلام وجاء به إلى النبي (ص) وأي إيمان وقر في قلب نعيم ليتوج إسلامه بمهمة حرجة في وقت حرج لولا أنها إرادة الله التي أتخذت من نعيم بن مسعود ستارا لتنفذ إلى واقع الحياة ..

وفي مراحل عدة في تاريخ الأمة نجد للحماية الربانية جنودا اتخذتهم كعالم مجدد أوحاكم مصلح أوقائد منقذ أوداعية معلم وإلا فكيف ننظر إلى الشافعي وابن حنبل أو صلاح الدين أو قطز أو عمر بن عبد العزيز أو العز بن عبد السلام نماذج تمثلت في شخوصهم الحماية الربانية لهذا الدين ولدعوة محمد (ص) ..

ولست بمفرط عندما أقول أن البنا كان أحد هؤلاء الجنود الربانيين وإلا فراجع معي متى بدأ دعوته وفي أي ظروف كانت النشأة الأولى يقول البنا في مذكرات الدعوة والداعية : ( وعقب الحرب العالمية وفي هذه الفترة التي قضيتها بالقاهرة ، اشتد تيار موجة التحلل في النفوس وفي الآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف.

لقد قامت تركيا بانقلابها الكمالي وأعلن مصطفي كمال باشا إلغاء الخلافة ، وفصل الدولة عن الدين في أمة كانت إلى بضع سنوات في عرف الدنيا جميعا مقر أمير المؤمنين، واندفعت الحكومة التركية في هذا السبيل في كل مظاهر الحياة. ولقد تحولت الجامعة المصرية من معهد أهلي إلى جامعة حكومية تديرها الدولة وتضم عددا من الكليات النظامية، وكانت للبحث الجامعي والحياة الجامعية حينذاك في رؤوس الكثيرين صورة غريبة: مضمونها أن الجامعة لن تكون جامعة علمانية إلا إذا ثارت على الدين وحاربت التقاليد الاجتماعية المستمدة منه، واندفعت وراء التفكير المادي المنقول عن الغرب بحذافيره، وعرف أساتذتها وطلابها بالتحلل والانطلاق من كل القيود.

ولقد وضعت نواة ” الحزب الديمقراطي” الذي مات قبل أن يولد ولم يكن له منهاج إلا أن يدعو إلى الحرية والديمقراطية بهذا المعنى المعروف حينذاك: معنى التحلل والانطلاق

وأنشئ في شارع المناخ ما يسمى بالمجمع الفكري، تشرف عليه هيئة من التيوصوفيين، وتلقى فيه خطب ومحاضرات تهاجم الأديان القديمة وتبشر بوحي جديد وكان خطباؤه خليطاً من المسلمين واليهود والمسيحيين وكلهم يتناولون هذه الفكرة الجديدة من وجهات النظر المختلفة.

وظهرت كتب وجرائد ومجلات كل ما فيها ينضح بهذا التفكير الذي لا هدف له إلا إضعاف أثر أي دين، أو القضاء عليه في نفوس الشعب لينعم بالحرية الحقيقية فكريا وعمليا في زعم هؤلاء الكتاب والمؤلفين.

وجهزت " صالونات " في كثير من الدور الكبيرة الخاصة في القاهرة يتطارح فيها زوارها مثل هذه الأفكار، ويعملون بعد ذلك على نشرها في الشباب وفي مختلف الأوساط.

كان لهذه الموجة رد فعل قوي في الأوساط الخاصة المعنية بهذه الشئون كالأزهر وبعض الدوائر الإسلامية، ولكن جمهرة الشعب حينذاك كانت إما من الشباب المثقف وهو معجب بما يسمع من هذه الألوان، وإما من العامة الذين انصرفوا عن التفكير في هذه الشئون لقلة المنبهين والموجهين، وكنت متألماً لهذا أشد الألم، فها أنذا أرى أن الأمة المصرية العزيزة تتأرجح حياتها الاجتماعية بين إسلامها الغالي العزيز، الذي ورثته وحمته، وألفته وعاشت به واعتز بها أربعة عشر قرنا كاملة، وبين هذا إلغزو الغربي العنيف المسلح المجهز بكل الأسلحة الماضية الفتاكة من المال والجاه، والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية .. )

في ظل هذه الظروف بدأ البنا دعوته فغير وجه مصر وضم تحت لوائه الجمع الغفير من أبناء شعبها ونشروا الإسلام بشموله وعمومه وربانيته وعمقه في المجتمع , بعث الأمل وبدأ العمل ورسم المنهاج وابتدأ السير من جديد في جهد متواصل وعمل دؤوب .

ولجنود الحماية الربانية مواصفات نستكملها فنكون أهلا للإنضمام إلى كتيبتهم الربانية المجاهدة ..

1 . جنود عقيدة وفكرة لا جنود غرض ومنفعة ..

فهم يعملون في أشد المواقف والأزمات وهم لا يحبون أن يرى مكانهم ولنستمع إلى البنا وهو يقول في حفل من أحفال طلاب الإخوان المسلمين من شباب الجامعة المصرية :

( أيها الإخوان قبل أن آخذ معكم في حديث الدعوة أحب أن أوجه إليكم هذا السؤال: هل أنتم على استعداد بحق لتجاهدوا وليستريح الناس؟ وتزرعوا ليحصد الناس ؟ وأخيرا لتموتوا وتحيا أمتكم ؟ وهل أعددتم أنفسكم بحق لتكونوا القربان الذي يرفع الله به هذه الأمة إلى مكانتها؟!

من العاملين من يعمل لابتغاء مال أو جاه أو وظيفة أو منصب أو عرض من أعراض هذه الدنيا، ومنهم من يعمل ابتغاء ثواب الله ورضوانه في الآخرة، ومنهم من سمت نفسه ورق حسه ودق شعوره وتسامى عن مواطن المادة جميعا وانتقل إلى الملأ الأعلى فأحب الخير للخير وعمل الجميل لذاته وشعر بأن ما يجد من حلاوة التوفيق لهذه المنزلة فيه الكفاءة لما بذل من تضحيات في سبيلها ، وأدرك سر قوله تعالى” بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين” فإن كنتم من الصنف الأول فتخلوا حالا عن هذا الميدان الكريم فما أفلح فيه نفعي قط ، ويأبى إلى الله أن يكون دينه القيم أحبولة لجر المغانم الدنيوية الزائلة، وإن كنتم من الصنف الثاني فاعملوا راشدين فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً وإن كنتم من الصنف الثالث فبخ بخ وهنيئا لكم السمو إلى ذلك العالم الملكي والاتصال بهذا الملأ الروحاني والدخول في حيز قوله تعالى: “ولسوف يرضى” .. )

ويقول معلقا على أول آية من سورة الأنفال : " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين " يقول الإمام البنا : ( .. لأصحاب كل دعوة موقفان لا ثالث لهما , فهم في أول أمرهم مجاهدون دائبون عاملون يضحي كل منهم بكل ما يملك في سبيل دعوته فهم يخسرون كل شيء ويربحون شيئا واحدا وهو تثبيت العقيدة وتوطيد دعائمها ..

حتى إذا استوثق لهم الأمر وتمكنوا من أسباب النصر جاء الموقف الثاني فطالب كل منهم بالتضحية في الغنيمة التي غنمها وود لو ظفر منها بنصيب الأسد .. وهنا يعرف المجاهدون المخلصون ويظهر الوصوليون النفعيون فإذا كانت العقيدة قوية وجنودها مخلصون لها ويرون فيها الغناء عن كل ما سواها استوى عندهم العطاء والحرمان وانتظروا الجزاء الأوفى من الله .. )

ويروي البخاري عن عمرو بن تغلب تزكية رسول الله لهذا الشعور فيه فيقول : أعطى رسول الله يوم حنين قوما ومنع آخرين فكأنما عتبوا عليه فقال : " إني أعطي أقواما أخاف هلعهم وجزعهم وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم عمرو بن تغلب " .. فيقول عمرو فما أحب أن لي بكلمة رسول الله حمر النعم ...

2 . أصحاب همة عالية وذاتية واعية ..

إن جنود الحماية الربانية لابد أن يكونوا أصحاب همة عالية وغاية بعيدة وذاتية واعية وكيف لا والنبي (ص) يقول : " إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها "

وقد قيل في الحكمة : بقدر ما تتعنى تدرك ما تتمنى .. فكيف بمن أمنيته الجنة !!

يقول ابن قتيبة : صاحب الهمة إن حُطّ فنفسه تأبى إلا علوا كالشعلة من النار يصوبها صاحبها فتأبى إلا إرتفاعا ..

بعد وفاة النبي (ص) حدثت ردة ضخمة في جزيرة العرب ورجع السواد الأعظم عن الإسلام ودخل عمر بن الخطاب على أبو بكر رضي الله عنهما ليعدل به عن فكرة محاربة المرتدين فيقول له : والله لو لم يكن في المدائن غيري لأنفذته والله لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي حتى تنفرد سالفتي ..

وحقيقة أقول إن المعاني والأفكار قد تؤثر حينا ولكن إن ما يجعلها تمثل واقعا من حياة الناس أن تعيش هذا المعنى أو أن تنظره في عين أو مشاعر من عاشه بصدق .. حكى لنا بعض من عايش الأستاذ عبد الفتاح الشريف رحمه الله أنه جاءه يوما شاعرا بثقل التكاليف الملقاه على عاتق الأستاذ وهو الشيخ الكبير الذي جاوز التسعين والرغبة تملأه في التخفيف عنه ورأى ذلك الأستاذ رحمه الله منه فقال له كلمة أبو بكر : لأقاتلنهم ما استمسك السيف بيدي ..عندها فقط شعرت بهذا المعنى وفهمت على أي وجه قيل .

والأستاذ رحمه الله من تلاميذ البنا الإمام المؤسس الذي سأل عن أجمل بيت أعجبه في العربية فأفصح عن مكنون قلبه وطبيعة شخصيته عندما قال : قول طرفة بن العبد في معلقته :

إذا القوم قالوا فتى خلت أني عنيت فلم أكسل ولم أتبلد

وما ذلك بدعا في تاريخ هذه الأمة فسيف الله خالد قالها عندما سأل عن أحب الليالي إلى قلبه فيقول : ما من ليلة يهدى إلي فيها عروس أنا لها محب أحب إلي من ليلة شديدة البرد أصبح فيها العدو ..

ولعلنا تطرقنا إلى ذاتية نعيم ابن مسعود الذي أسلم للتو فعلم أنه مسؤل ومسائل فكانت ذاتيته جزء من إرادة الله فيه كجندي من جنود الحماية الربانية ..

3 . الجدية الإيمانية والدعوية .. فارس لا يترجل

مقالة قيمة ضمنها الراشد في رسائل العين أشير إليها وليس في الإشارة عن قرائتها غناء .. قال : } لابد للدعوة من داعية لا يستريح وفارس لا يترجل فهو آخذ بذمام فرسه طائر على جناح السرعة ينبئك عن حاله المشبوب المهموم حديث الرسول (ص) : الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة قال : " .. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن أستأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع " .

أو ما يفصله النبي (ص) في رواية " من خير معاش الرجل رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة طار إليها يبتغي الموت مظانة "

ذلك الفارس والداعية همه متميز متفرد عن هموم الناس فإذا سارت هموم الناس في أفلاك شهواتهم سار نجم همه في أفلاك دعوته فهو في نهاره هاجم , وفي ليله قائم , وفي سره عامل , وفي جهره داع , ليله ونهاره في هم واحد - هم هذا الدين - فهو في قيام لا يهدأ معه وفي ركوب لا نزول معه يصل ليله بنهاره ونهاره بليله .. {

والبنا رحمه الله يصف هذا النموذج المتميز المتفرد من الدعاة الجادين فيقول : قد سهرت عيونهم والناس نيام وشغلت نفوسهم والخليون هجع وأكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملا مجتهدا أو مفكرا مجدا ولا يزال كذلك طوال شهره حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده موردا لجماعته ونفقته نفقة لدعوته ولسان حاله يقول لبني قومه الغافلين عن تضحيته " لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الله " .

وإن الوصف القرآني لأصحاب الجدية الإيمانية : " كانوا قليل من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون "

وصاحب الظلال يعلق على قوله تعالى : " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض " يقول : وأ,ل ما تفسد النفوس باركود الذي تأسن معه الروح وتسترخي معه الهمة ويتلفها الرخاء والطراوة ثم تأسن الحياة كلها باركود أو بالحركة في مجال الشهوات وحده .. "

هي حقيقة إذا يختبرها كل من اتصل بالعمل الإٍسلامي يعبر عنها الراشد بقاعدة عظيمة يقول : [ إن محنة الداعية اليوم لا تكمن في معارضة الباطل له ولا في سجنه وتجويعه ومصادرة أمواله وإبعاده وتعذيبه بقدر ما تكمن في استرخاء همته والتلذذ بالراحة .. وفي المقابل : وما انتصار الداعية إلا في أن تعاف نفسه كل ما لا يؤثر في نجاح دعوته ]

ومن ثم يقدم النموذج : الإمام أحمد الذي سأل متى يجد العبد طعم الراحة قال : مع أول قدم يضعها في الجنة

ويسأل يا إمام إلى متى مع المحبرة فيقول مع المحبرة حتى المقبرة ..

ويترجمها واقعا حيا في أيام محنته حتى قال لابنه : يا بني لقد أعطيت المجهود من نفسي ..

فيعلق الراشد فيقول : [ فحدا بذلك حدا لا يسع الداعية الجاد النقصان فيه ولا التخلف عنه فعلى الداعية بذل المجهود من نفسه واستفراغ كل طاقته في خدمة دعوته وعلامته حين المحن الصبر على الأذى حتى الموت وعلامته في حياتك اليومية أنك إذا أويت إلى فراشك ليلا لتنام وجدت لركبتيك أنينا ولعضلاتك تشنجا من كثرة ما تحركت في نهارك .. ]

ومن قبل الإمام أحمد أستاذه الشافعي الذي قال: إن طلب الراحة في الدنيا لا يصح لأهل المروءات فإن أحدهم لا يزال تعبان في كل زمان ..

وتصف فاطمة بنت عبد الملك زوجها عمر بن عبد العزيز فتقول : كان قد فرّغ للمسلمين نفسه فكان إذا أمسى ولم يفرغ من حوائج يومه وصل يومه بليلته حتى أن أصحابه من أهل التقى سألوه يوما أن يفرغ لهم نفسه فقال : وأين الفراغ ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله ..

هو جزء من الحقيقة أدركت ويبقى في ظلال هذا المعنى الجوهر الغالي بعد من الأفكار والمقصودات ولعل فيما كتبت الإشارة إلى هذا المعنى الذي لست بأول من تحدث فيه ولكنه كان كلمة وقعت في نفسي في درس ضمنتها كراسي منذ تسع سنوات أستحضرها اليوم بعد أن جربت طرفا منها في واقع سيرة النبي وما أثر عن رجالات هذه الدعوة , ولعل أخ كريم يقرأ هذا المعنى فيلقي الله في قلبه شيء فيفيض قلمه بما يعزز هذه المعنى ويثبته في نفوس الدعاة .

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ..

د. محمد النعناعي